القرطبي
324
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في قومه وهم كفرة ( عدو لكم ) فلا دية فيه ، وإنما كفارته تحرير الرقبة . وهو المشهور من قول مالك ، وبه قال أبو حنيفة . وسقطت الدية لوجهين : أحدهما - أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا ( 1 ) بها . والثاني - أن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة ، فلا دية ، لقوله تعالى : ( والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا ( 2 ) ) . وقالت طائفة : بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط ، فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ولا دية فيه ، إذ لا يصح دفعها إلى الكفار ، ولو وجبت الدية لو جبت لبيت المال على بيت المال ، فلا تجب الدية في هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد ( 3 ) الاسلام . هذا قول الشافعي وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور . وعلى القول الأول إن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة . قلت : ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات ( 4 ) من جهينة فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله ، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك ، فذ كرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقال لا إله إلا الله وقتلته ) ! قال : قلت يا رسول الله ، إنما قالها خوفا من السلاح ، قال : ( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟ ) . فلم يحكم عليه صلى الله عليه وسلم بقصاص ولا دية . وروي عن أسامة أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات ، وقال : ( أعتق رقبة ) ولم يحكم بقصاص ولا دية . فقال علماؤنا : أما سقوط القصاص فواضح إذ لم يكن القتل عدوانا ، وأما سقوط الدية فلاوجه ثلاثة : الأول - لأنه كان أذن له في أصل القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غلطا كالخاتن والطبيب . الثاني - لكونه من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين تكون له ديته ، لقوله تعالى : ( فإن كان من قوم عدو لكم ) كما ذكرنا . الثالث - أن أسامة اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة ولا تعقل العاقلة اعترافا ، ولعل أسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية . والله أعلم .
--> ( 1 ) في ج ، ط : يتقوون بها . ( 2 ) ج 8 ص 55 . ( 3 ) في ج ، ط : دار . ( 4 ) الحرقات ( بضم الحاء وفتح الراء وضمها ) : موضع ببلاد جهينة .